حبيب الله الهاشمي الخوئي
319
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
بالمدينة من حولها ، وكانت ترد الماء غبّا ، وكان فرعون إذ ذاك في مدينة حصينة عليها سبعون سورا في كلّ سور رساتيق وأنهار ومزارع وأرض واسعة ، في ربض ( 1 ) كلّ سور سبعون ألف مقاتل . ومن وراء تلك المدينة غيضة تولى فرعون غرسها بنفسه وعمل فيها وسقاها بالنيل ثمّ أسكنها الأسد ، فنسلت وتوالدت حتى كثرت ، ثمّ اتخذها جندا من جنوده تحرسه ، وجعل خلال تلك الغيضة طرقا تقضى من يسلكها إلى باب من أبواب المدينة معلومة ليس لتلك الأبواب طريق غيرها فمن أخطأ وقع في الغيضة فأكلته الأسد ، وكانت الأسود إذا وردت النيل ظلّ عليها يومها كلَّها ، ثمّ تصدر مع اللَّيل . فالتقى موسى وهارون عليهما السّلام يوم ورودها فلما أبصرتهما الأسد مدّت أعناقها ورؤوسها إليهما وشخصت أبصارها نحوهما وقذف اللَّه في قلوبها الرّعب فانطلقت نحو الغيضة منهزمة هاربة على وجوهها تطأ بعضها بعضا حتى اندست في الغيضة ، وكان له ساسة يسوسونها وذادة يذودونها ويشلونها ( 2 ) بالناس ، فلما أصابها ما أصابها خاف ساستها فرعون ولم يشعروا من أين أتوا . فانطلق موسى وهارون عليهما السّلام في تلك المسبعة حتى وصلا إلى باب المدينة الأعظم الذي هو أقرب أبوابها إلى منزل فرعون ، وكان منه يدخل ومنه يخرج ، وذلك ليلة الاثنين بعد هلال ذي الحجة بيوم ، فأقاما عليه سبعة أيام فكلَّمهما واحد من الحراس وزبرهما وقال لهما : هل تدريان لمن هذا الباب فقال : إنّ هذا الباب والأرض كلَّها وما فيها لربّ العالمين وأهلها عبيد له ، فسمع ذلك الرّجل قولا لم يسمع مثله قط ولم يظنّ أنّ أحدا من الناس يفصح بمثله ، فلما سمع ما سمع أسرع إلى كبرائه الذين فوقه فقال لهم : سمعت اليوم قولا وعاينت عجبا من رجلين هو أعظم عندي وأفظع وأشنع مما أصابنا في الأسد ، وما كانا ليقدما على ما أقدما عليه الَّا بسحر عظيم ، وأخبرهم القصّة ، فلا يزال ذلك يتداول بينهم حتّى انتهى إلى فرعون .
--> ( 1 ) - ربض المدينة بالتحريك ما حولها ، م ( 2 ) - اشليت الكلب على الصيد أغريته ، م .